كيف واجه الرسول اتهامه بالجنون؟ -مقالة لعمرو خالد

في فجر الإسلام، كانت عظمة النبي (عليه الصلاة و السلام) تتجلى في إحدى صورها، في قوة احتماله، في صبره على الإيذاء، و في دأبه الشديد على الاستمرار في الدعوة. كانت الحرب فوق الاحتمال. لكنه (صلى الله عليه و سلم) أدراها بحكمته و سماحته و عفوه، و يقينه بأنه على الحق. فضرب أروع الأمثال في القدوة والعبقرية.
فاجأ على بن أبي طالب أهله بأن رفع يده و قال للنبي: أنا أتبعك على ما جئت به و أسير معك في هذا الطريق. فضحك القوم و سخروا من الصبي. إلا أن النبي نهض من مكانهو مد يده و قال لعلي: “ضع يدك في يدي”. فسكتوا، ثم نهض على و شد على يد النبي، فضرب النبي بيده على يد علي. بعد ذلك صعد النبي جبل الصفا، أشهر أماكن مكة، وقال: “يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، يا بني عدي”. و تجمع سكان مكة تحت الجبل، فقال لهم: “أرأيتم إن أخبرتكم أن خلف هذا الجبل جيشا يريد أن يغيروا عليكم، أكنتم مصدقي؟” قالوا له: “ما جربنا عليك كذبا قط”. فقال: “إني رسول الله إليكم، و إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”. فأصغى القوم و هم يتابعون قوة نظرات النبي. لكن واحدا رد على النبي، هو عمه أبو لهب، قال: “تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟” و لم يرد الرسول (صلى الله عليه و سلم) على عمه. و نزل النبي (صلى الله عليه وسلم) من الجبل، و نزل عليه الوحي: (تبت يدا أبي لهب و تب. ما أغنى عنه ماله و ما كسب. سيصلى نارا ذات لهب).
فأبو لهب هو أغنى رجال العائلة و هو يتصرف خوفا على مصالحه. و لكن، لماذا ذكر القرآن أبا لهب و لم يذكر أبا جهل؟ لأن أبا لهب أول من جرّأ المشركين على النبي (صلى الله عليه و سلم) . قريش كانت على الحياد حتى هذه اللحظة. إلى أن قال أبو لهب قولته، فجرّأ قريشا على النبي (صلى الله عليه و سلم).
و بدأ النبي (صلى الله عليه و سلم) في نشر دعوته بقوة. يقول لهم: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب و تدين لكم بها العجم”. كلماته (صلى الله عليه و سلم) كانت كلها تبشيرا و ليست تحذيرا. و خرجت قريش عن حيادها، و بدأت في إيذاء المسلمين. كان عدد المؤمنين مئتي شخص، بينما تعداد أهل قريش ما بين 25 ألفا و 30 ألف نسمة. و قد هز المئتا مسلم مجتمع قريش كله، لأنهم مندمجون ادخل المجتمع، و متميزون خُلقا و نجاحا علمياً.
و بدأت قريش في شن الحرب النفسية على النبي و المؤمنين، حيث بدأت في التشكيك بمحمد، ثم التشكيك في رسالته. ثم بدأوا حربا نفسية بالسخرية و الاستهزاء و الإيذاء النفسي للمسلمين. ثم لجأوا إلى الإيذاء البدني، و بعد ذلك محاولة القتل.
في التشكيك، قالوا عنه إنه ساحر، وقالوا مجنونا، وقالوا كاهنا، وقالوا شاعرا. ثم اتفقوا على كلمة واحدة يواجهونه بها و هي أنه ساحر. و جاؤوا بالوليد بن المغيرة، وقالوا له: تعال نتفق على كلمة نقولها لكل العرب. فسألهم: ماذا تقولون عنه؟ فقالوا: ساحر. فقال لهم: ما هو بساحر. فنحن نعرف السحر و أساليب السحرة. قالوا له: إنه شاعر. فقال لهم: ما هو بشاعر، و كلامه ليس شعرا. قالوا له: إذن فماذا هو؟ قال: والله إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، و إن أعلاه مثمر، و إنه ليعلو و لا يُعلى عليه. فنظروا إليه وقالوا: هل صدقت محمدا؟ قال: أبدا. أيرسل له و أُترك و أنا عظيم قريش؟ قولوا عليه ساحر يفرق بين الرجل و زوجه وبين الرجل و أبيه و بين الرجل و ابنه. و نزل القرآن للرد على الوليد بن المغيرة: (ذرني و من خلقت وحيدا. و جعلت له مالا ممدودا. و بنين شهودا. و مهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا. إنه فكر و قدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر. ثم عبس و بسر…) إلى نهاية الآية الكريمة: (سأصليه سقر).
و حين كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يمشي ويدعو الناس، كان عمه أبو لهب يمشي من ورائه و يقول للناس: لا تصدقوه فهو مجنون. إنه ابن أخي و انا أعرف به. وقال للناس: دعوه فإن عمه أدرى به.
و أتى رجل اسمه النضر بن الحارث و قال لهم: أرسلوني إلى بلاد فارس لأتعلم قصصا كالتي يرويها محمد. فأرسلوه إلى فارس في بعثة لمدة سنة، و عاد. و كلما روى النبي (صلى الله عليه و سلم) قصة، كان يقول لهم: لا تسمعوا لمحمد، و اسمعوا لي، أنا أحكي أفضل منه. و يقول لهم: إن محمدا يروي أساطير الأولين و أنا أحكيها أفضل منه.
و اتهموا الرسول بأنه عميل لدولة أجنبية. كيف؟ (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما و زورا. و قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة و أصيلا) الآية.
قالوا كل ذلك و النبي لا يرد. إنه يعمل ليل نهار. و في الليل يقف بين يدي الله يصلي قيام الليل، وفي النهار يقوم بالدعوة إلى الله، و يأخذ بأيدي الناس للإصلاح. وقالت له السيدة خديجة: هون عليك يا رسول أفلا تنام؟ فرد عليها قائلا: “مضى زمن النوم يا خديجة”.
و على الرغم من كل هذا الاضطهاد، ازداد عدد المسلمين، فوصل إلى مئتي مسلم و مسلمة. لأن الحق أقوى من التشكيك و الدعايات الكاذبة.
فلو أن كل أهل الأرض أثاروا الغبار في الجو، هل يلوثون السماء؟ سوف يعود الغبار المتناثر ليغيظهم هم، و لن يلوثوا السماء، و تبقى السماء ضاحكة تتلألأ. و استمرت قريش في الحرب النفسية ضد الرسول بالتشكيك في كلامه وقالوا : إن محمدا أتى بهذا الكلام من رجل في اليمامة اسمه “الرحمن” و إنا لا نؤمن بالرحمن أبدا. و اعتمدت قريش على النضر بن الحارث ليشوش على محمد. و كلما قرأ محمد القرآن، قام النضر ليحكي خرافاته التي أتى بها من فارس، فيشوش على تركيز من يستمعون للنبي محمد، وفشل التشويش، وبدأت قريش في السخرية و الاستهزاء لهز النبي من الداخل.
واتفقت قريش على أن النبي كلما مر في الطريق يفرون أمامه و يقولون: هذا مجنون. (و قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) الآية.
و كانت القبائل حين تتجه وفوجها إلى مكة للحج توصي وفودها: احذروا غلام قريش، لا يفتنكم بجنونه.
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يمر وسط الوفود الآتية للحج، فيشيرون إليه بأصابعهم: هذا هو المجنون. كذلك كانت “ام جميل” زوجة أبي لهب، تلقي بالشوك و القمامة أمام بيت النبي (صلى الله عليه و سلم) كلما رأته آتيا إلى بيته أو خارجا منه, و كان النبي (عليه الصلاة و السلام) ينظر إلى القمامة أمام بيته ويقول: “يا معشر قريش أي جوار هذا؟” وهو يعلم أن أم جميل هي التي ألقتها. و لم يفكر في إهانة زوجة عمه أو عمه أبدا. و استمرت أم جميل في إشعال نار الفتنة في قريش ضد النبي (صلى الله عليه وسلم) ، و نزل القرآن الكريم ليقول: (وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد). فغضبت لنزول هذه الآية عنها، فخرجت إلى وسط مكة و هي تصيح: “أين محمد؟ فقيل لها: هناك عند الكعبة مع صاحبه أبي بكر، وهي تمسك بحجارة في يديها و تصيح: أين محمد؟ فيقولون لها: هناك عند الكعبة مع ابي بكر. فذهبت لتقف أمام أبي بكر و تسأله: أين صاحبك؟ و هنا حدثت معجزة عدم رؤيتها النبي الجالس إلى جوار أبي بكر. عمى الله بصرها حتى لا تلقي بالحجر في وجه النبي (صلى الله عليه وسلم) . فلا يرد أبو بكر عليها، فتقول له: “بلغني أنه هجاني، والله لو رأيته لأضربن بهذا الحجر وجهه”. ثم قالت: إن كان هو شاعرا فإنني شاعرة و خرجت إلى قريش لتهجو النبي (صلى الله عليه وسلم) : مذمما عصينا و أمره أبينا و دينه قلينا.” أعجبت الأبيات الكفار، فرددوها في مجالسهم و رددها الأطفال في الشوارع. و اتفقت قريش على تغيير اسم “محمد” إلى “مذمم”. فكان يوجع الصحابة أن يسمعوا المشركين يقولون: “جاء مذمم…ذهب مذمم”. فقال لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) : “دعوهم إنما يشتمون مذمما و أنا محمد” . و كان النبي (صلى الله عليه وسلم) ذات مرة يطوف حول البيت الحرام، و كان كلما طاف أطلقوا النكات عليه و ضحكوا سخرية منه، و تمايلوا على بعضهم. و كان النبي يتجاهل ضحكاتهم كلما مر عليهم. و في إحدى مرات الطواف، توقف النبي فجأة و اتجه إليهم و قال: “أتعرفون يا معشر قريش..إن لم تنتهوا لقد جئتكم بالذبح” . فسكتوا خوفا منه وقالوا : “امض بسلام يا أبا القاسم، فما عرفناك إلا حليما” . و نزل قول الله تبارك و تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. و إذا مروا بهم يتغامزون. و إذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. و إذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون. وما أرسلوا عليهم حافظين. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الآرائك ينظرون. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) . و يتألم النبي (صلى الله عليه وسلم) فينزل القرآن ليقول له: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) ، (و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك…) . و تقول آية كريمة أخرى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة و ذو عقاب أليم) .
و استمر النبي في إصراره على رسالته. حتى ظهر أمر الله بهمة النبي و صبره و حكمته و دعوته بالموعظة الحسنة. ”

المصدر:
خالد، عمرو. “على خطى الحبيب 7 كيف واجه الرسول اتهامه بالجنون؟” مجلة زهرة الخليج. 21/9/2013 : 90-91

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s